04 يونيو، 2009

لا فُضَّ فوك!


أحب أن أقتبس الفقرة التالية من خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالأمس في القاهرة. ذلك لأنني أرى أن هذا المبدأ هو المبدأ الأساسي للسلام العالمي والسلام الداخلي. للتغيير الاجتماعي والتعافي الفردي. لشفاء الشعوب والأفراد. أتمنى أن أعيش الباقي من حياتي لهذا الهدف...

All of us share this world for but a brief moment in time. The question is whether we spend that time focused on what pushes us apart or whether we commit ourselves to an effort, a sustained effort to find common ground, to focus on the future we seek for our children and to respect the dignity of all human beings.

كلنا نشترك في هذا العالم لوقت قصير جداً. السؤال هو: "هل نقضي ذلك الوقت القصير ونحن نركز على ما يبعدنا عن بعضنا البعض، أم نلزم أنفسنا بالمجهود المستمر لكي نجد الارضية المشتركة ونتطلع للمستقبل الذي ننشده لأولادنا وبناتنا ونحترم كرامة الإنسان؟"

It's easier to start wars than to end them. It's easier to blame others than to look inward. It's easier to see what is different about someone than to find the things we share. But we should choose the right path, not just the easy path. There is one rule that lies at the heart of every religion, that we do unto others as we would have them do unto us.

بداية الحروب أسهل من إنهائها. لوم الآخرين أسهل من أن ننظر للداخل، في أنفسنا. رؤية الإختلافات التي بيننا أسهل من رؤية ما نشترك كلنا فيه. لكننا لا ينبغي أن نختار الطريق الأسهل بل الطريق الأفضل. القاعدة التي تقبع في قلب كل الأديان هي: "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، هكذا افعلوا أنتم أيضاً بهم."

باراك أوباما. القاهرة 4 يونيو 2009

07 مايو، 2009

يوم في قرية على سهل


23

بعد ان انضمت مريم المجدلية إلى تلاميذ وتلميذات يسوع بدأت تظهر عليها أموراً غريبة. كانت مريم شديدة الحساسية فكلما وجه أحدهم إليها كلاماً كانت تغضب وتنفجر ثم تعود وتعتذر اعتذاراً شديداً. وكانت كلما وجه إليها أحدهم مديحاً أو كلاماً مشجعاً كانت لا تصدق وتتساءل:

ـ لماذا تقول لي هذا الكلام؟ أنا لا أصدق هذا الكلام!

ـ لم لا؟

ـ لأني سيئة

ـ لماذا تقولي أنت هذا الكلام يا مريم؟

ـ هذا ليس كلاماً هذه هي الحقيقة. أنا سيئة!

ـ لا لست سيئة! انت ابنة محبوبة لله واخت عزيزة لنا كلنا

عندما تسمع مريم مثل هذا الكلام تنفجر ضاحكة وتغير الموضوع لكونها لا تحتمل مثل هذا الكلام "الإيجابي".

وذات صباح كانت مريم جالسة محدقة في الفضاء أمام البيت الذي تعيش فيه مع مريم أم يسوع ومريم زوجة كلوبا، عندما اقتربت منها مريم أم يسوع ووضعت يدها على كتفها

ـ صباح الخير يا مريم!

أطرقت مريم المجدلية نحو مريم أم يسوع وحدجتها بنظرتين خاليتين من كل شيء

ـ مريم؟ مريم من؟

ـ أنت يا مريم؟

ـ أنا لست مريم! أنا سوسنّة!

ـ سوسنة من؟ أنت مريم! ما بك؟

قامت مريم غاضبة ودفعت مريم أم يسوع بكلتا يديها

ـ اتركيني يا امرأة! ماذا تريدين مني؟

ثم انطلقت تجري في اتجاه الحقول.




نايين مدينة جليلية تقع إلى الجنوب الغربي من الناصرة وجبل تابور، وإلى الجنوب الغربي من بحر الجليل الذي هو بحيرة طبرية. هذه المدينة الهادئة تشرف على سهول أرماجدون ووادي جزريل. لذلك فإن كلمة نايين تعني المروج الخضراء أو مدينة السعادة.

لم تكن نادين في ذلك اليوم مدينة السعادة بل كانت مدينة الأحزان، فقد خرجت تشيع جثمان يوسف الابن الوحيد لإستير التي توفى زوجها في ريعان الشباب تاركاً لها يوسف وهو ابن ثمانية أشهر. مرت السنون وكبر يوسف وصار شاباً يافعاً جميلاً وتعزت به إستير واعتبرته عوضاً عن أبيه الذي تركها وهي في ريعان الشباب. كان يوسف يعمل راعياً للأغنام وكان يأخذ خرافه كل صباح لتمرح في سهول نايين الخضراء ويعود مع غروب الشمس للبيت ليجد أمه وقد أعدت طعام العشاء فيتناولانه معاً في حبور وبساطة قلب ويتسامرن قليلاً مع بعض الجيران حول نار يوقدونها في أمسيات الشتاء ويضعون عليها إبريق الشاي الأسود الذي يضعون فيه الكثير من العسل الذي تشتهر به نايين والذي تجود به بطون النحل الذي يمرح طوال النهار بين زهور المروج الخضراء المشرفة على الوادي السحيق.

منذ أسبوع استيقظت إستير في الصباح الباكر وغسلت وجهها وبدأت في تحضير طعام الإفطار وهي تنادي على يوسف كما اعتادت فهو لا يستيقظ مبكراً منذ أن كان طفلاً وكان عليها كل صباح أن تقضي حوالي الساعة لتوقظه من النوم ليذهب إلى كتاب القرية ليتعلم القراءة والكتابة العبرية ويحفظ بعض من آيات التوراة.

بدأ يوسف في الاستيقاظ لكنه لم يقو على القيام من فراشه. قام بصعوبة مستنداً على ذارعه ثم لم يلبث إن هوى مرة أخرى على الفراش.

ـ أمي أنا لا أستطيع القيام!

ـ ما بك يا ولدي؟ ماذا حدث؟

كانت هذه البداية منذ أسبوع حين دب الشلل في كل عضلات يوسف. بدأ في رجليه ثم زحف تدريجياً حتى وصل إلى عضلات التنفس ثم عضلة القلب التي توقفت فقارق يوسف الحياة هذا الصباح. لم يعرف أحد ماالذي أصابه. البعض قال أن هذه لعنة في الأسرة أصابته كما أصابت أبيه فمات في ريعان الشباب كما توفي جده في شبابه أيضاً بعدوى في الأمعاء. والبعض الآخر قال أنه انتقام من الله لأن يوسف كان في بعض الأحيان يقوم بالاهتمام بخرافه يوم السبت. وقال البعض الآخر أنه ربما أصيب بلدغة حشرة غريبة أثناء الساعات الطوال التي يقضيها في رعي غنمه في السهول المترامية المليئة بكل أنواع الحشرات الطائرة والزاحفة.

خيم الحزن هذا الصباح على نايين كلها التي كانت تحب يوسف الذي كان يجيد العزف بالمزمار و يحيي كل أفراح نايين بمزماره وأغانيه التي يتدرب عليها كل يوم في مراعي نايين الخضراء.

خرجت المدينة كلها وراء يوسف لتشيعه إلى مثواه الأخير.

اقترب يسوع وتلاميذه من باب مدينة نايين وقد أصبح يتبع يسوع وتلاميذه جمع كبير من الناس الذين تركوا بيوتهم وأشغالهم وتبعوا يسوع من مدينة إلى مدينة ليسمعوا تعليمه ويروا معجزاته العظيمة. وبمجرد أن دخلوا المدينة أدركوا ما هي فيه من حداد ثم أبصروا موكب يوسف قادماً من أحد الشوارع التي تفضي إلى الميدان الذي يتوسط المدينة الصغيرة في إتجاه شارع آخر يشق بطن المدينة غرباً نحو الوادي حيث يدفن أهل نايين موتاهم.

التقي الجمعان. موكب يوسف والجمع التابع ليسوع وكأنهما على موعد في ميدان نايين. عندما أبصر يسوع إستير شعر بحنان بالغ نحوها فتقدم نحوها.

ـ لا تبك يا إستير!

ذهلت المرأة حتى توقف شلال دمعها ونظرت بعينين حمراواتين يملأهما العجب لكونه عرف اسمها!

ـ يبدو أنك يسوع الناصري. لقد سمعت عنك الكثير

تقدم يسوع ولمس النعش فوقف الحاملون

ـ قم يا يوسف!

بدأ القماش المكرمش الذي يغطي النعش يتحرك قليلاً فصاح الجمع من الخوف الممزوج بالفرحة وقام الحاملون بسرعة بفك الخيوط التي تربط جسد يوسف بالمحفة التي يحملونه عليها. فبدأ يتغير شكل الجثمان ليصبح جالساً!

صرخ الجمع

ـ مجداً لله! مجداً لله!

ـ لقد قام فينا نبيّ عظيم! لقد افتقد الله شعبه أخيراً!

جلس يوسف وبدأ يتكلم

ـ أين أنا؟ ما الذي حدث؟ لماذا كل هذا الجمع؟ لماذا أنا محمول هكذا على الأعناق؟ هل ستذهبون بي إلى المستشفى؟ أمي!

ـ انزل يا يوسف وعد لبيتك مع أمك. لعل خرافك قد انزعجت في حظيرتها فهي لم تخرج إلى المراعي منذ أسبوع كامل. اذهب إلى خرافك أيها الراعي الصالح.

اجتمعت نايين كلها حول يسوع وذهب الجميع إلى المروج الخضراء حيث يتسع المكان لكل المدينة التي جلست عند أقدام يسوع تستمع إلى تعليمه.

... بشرى لمن يحزنون في هذا العالم ويفقدون كل شيء لأنهم في ممكلة الله يتعزون. ليس بالضرورة كما تعزت إستير اليوم بعودة يوسف للحياة في الجسد.

الحياة في مملكة لا يحدها موت الجسد!

هي حياة للروح لا تموت. هذه الحياة الروحية تبدأ الآن ولا تنتهي.

يوسف سيحيا على الأرض ربما عشرون أو ثلاثون سنة قادمة لكنه سيموت ويعود لهذه الأرض (مشيراً بيده إلى الأرض) لكن روحه ستستوطن مملكة الله الباقية إلى الأبد!

ثم أشار يسوع إلى إستير وعلى وجهه ابتسامة خفيفة جميلة..

... طوباكم أيها الباكون الآن. لأنكم ستضحكون..

...طوباكم إذا أبغضكم الناس لأنكم من مواطني مملكة الله..

... طوباكم إذا عيروكم واحتقروا أسمائكم وأعتبروكم كأشرار من أجل إيمانكم بابن الإنسان..

فصاح واحد من الجمع

ـ ومن هو ابن الإنسان!

أكمل يسوع..

... طوباكم إذا لم يفهم الناس كيف تؤمنون بإله يتنازل ويقترب من الإنسان!

06 أبريل، 2009

شاركنني


عزيزاتي متابعات هذه المدونة. أكتب كتاباً من سلسلة 180 درجة للشباب عن الجنس. من فضلكن شاركنني بمشاعركن عندما تتعرضن للتحرش الجنسي بالفعل أو بالكلام في الشارع. هذه المشاركات سوف أوردها في الكتاب لكي يعرف الشباب كيف يؤثر ما يفعلونه في النساء. يمكنكم الكتابة كتعليقات هنا
باسم أو بدون اسم (غير معرف)

شكراً جزيلاً

29 مارس، 2009

نور العالم


22

انحنى يسوع إلى أسفل وأخذ يفكر ويكتب بإصبعه على الأرض....

ـ لماذا لا ترد؟ يا معلم..قل لنا ماذا يجب أن نفعل؟!

ـ موسى أوصانا أن مثل هذه ترجم!

ـ أنت بالطبع لا تريد أن تغضب أصدقائك العشارين والزناة! جمهورك ومحبيك! قال إسحق الفريسي ساخراً وأضاف.. لكن الشريعة واضحة «وَإِذَا زَنَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ قَرِيبِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ»

ـ وأين الزاني؟ .....صاح واحد من الجمع لم يرد أن يتقدم لئلا يعرفه أحد

صرخ اسحق الفريسي بأعلى صوته وبشكل درامي ليغطي على ما قاله ذلك المجهول..

ـ هذه المرأة أمسكت في ذات الفعل، وهاهي أمامكم ونحن شهود على ذلك. هل تريدوننا أن نسكت عن الفاحشة في إسرائيل؟ هل ندوس الشريعة بأقدامنا؟ قولوا لي يا أهل الجليل... أهذا ما يريد ذلك الناصري أن يعلمكم؟ أن تنسوا ناموس الله؟ شريعة آبائكم؟ لقد ابتلانا الله بالرومان لأننا حدنا عن الدين وأوقفنا حدود الله. خذوا لكم اليوم موقف، هل تُرانا نتبع الغرب الروماني المنحل أم نقتص من تلك الزانية؟

صرخ بعض من الجموع...

القصاص.. القصاص..

لم يزل يسوع ناظراً إلى الأرض ممسكاً بعصا رفيعة يخط بها خطوطاً على الأرض تشبه الكتابة، وعندما هدأت الجموع لتستمع إلى ما سيقوله يسوع، قام منتصباً وقال:

ـ نعم إنها تستحق الرجم!

تهللت أسارير اسحق الفريسي لأن يسوع قال هذا. كان اسحق يعلم أنها لن ترجم ولكنه لم يقل هذا لبنيامين، لكنه كان يتمنى فقط أن تصدر "فتوى" من يسوع برجمها لتعتبر هذه الفتوى بحد ذاتها تمرداً وعصياناً على القانون والحكم الروماني.

ثم أضاف يسوع..

ـ الآن أطلب من شخص منكم يعرف بصدق أنه بلا خطية أن يتقدم ويرمها بأول حجر!

صات صمت واجم...

كان الجميع يعرفون أن من يتقدم لرجمها يكون قد شهد أمام الله والجمع أنه بلا خطية، ومن يقوى على "شهادة زور" كهذه؟! حتى اسحق نفسه بكته ضميره فانصرفت جماعة الفريسيين كلها واحداً وراء الآخر مبتدئين من الشيوخ.

انتظر يسوع لا يتكلم ومريم ملقاة أمامه غير مصدقة أنها نجت من الموت المحقق. وانتظرت الجموع يسوع أن يأمر برفعها ويعود لدروسه ولكن مضت نصف ساعة كاملة ويسوع جالس لا يتكلم ومريم ملقاة أمامه وقد غطت وجهها خزياً وعاراً.

ـ يا امرأة، أين هم أولئك المشتكون عليك؟ أما دانك أحد؟

ـ لا أحد يا سيد!

ـ ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضاً!

نظر يسوع إلى شمس الصباح وقد بدأت تقترب من كبد السماء وقال

ـ أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة

فقال بعض من الفريسيين الذين بقوا...

أنت هكذا تشهد لنفسك. شهادتك ليست حقاً. اثبت لنا أنك بالفعل نور العالم. كل إنسان يستطيع أن يقول أنه أي شيء. ما هو الدليل على ما تقول.

ـ أنا أشهد لنفسي وأبي يشهد لي

ـ أبوك؟ من هو أبوك؟

ـ لو كنتم عرفتموني لكنتم قد عرفتم أبي!

ـ ما هذا الكلام غير المفهوم؟

ـ لو كنت لم أعمل أعمالاً لم يعملها أحد أمامهم لكان لكم عذر. ألا تكفي هذه الأعمال شهادة من الله على أن ما أقوله حق؟ ألا تكفي هذه الأعمال لتعرفون أنني لست مثلكم. أنتم لا تعرفون من أين قد أتيتم أما أنا فأعلم من أي أتيت وإلى أي أذهب؟ أنتم لا تعلمون أين كنتم قبل أن تولدوا، أما أنا فأعلم.

ـ وأين كنت إذاً؟

لم يجب يسوع وأكمل...

ـ لأنكم لا تعرفون عمق الحقيقة، لذلك تحكمون حسب الظاهر، أما أنا فلأني أعلم الحقيقة فحكمي صادق، على نفسي وعلى الناس ، وعن الله. لذلك أقول لكم أن من يتبعني لا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة.

هل تعرفون هذه المرأة؟ هل تعرفون أنها مطلقة، لكن زوجها لم يعطها كتاب طلاق؟ هل تعرفون أنها ليست على ذمة رجل، فهي إذاً لا تستحق الرجم؟ ثم هل تعلمون حياتها وما حدث لها في الماضي البعيد والقريب؟ هل تعلمون أنها لم تمتهن الزنى إلا لأن زوجها ألقاها في قارعة الطريق مطلقة وتزوج بصديقتها.

ـ وكيف عرفت كل ذلك؟

ـ لأنكم لا تعلمون عمق الإنسان، فإنكم لا تحكمون إلا بحسب الظاهر. أما أنا فأعلم من أنا ومن هذه المرأة ومن أنتم أيضاً. سيأتي وقت أمضي وتبحثون عني فلا تجدونني. وحيث أمضي لا تقدرون أن تأتوا.. أنا من فوق، أما أنتم فمن هنا. أنتم من هذا العالم. أما أنا فلست من العالم!

.....قال يسوع هذا وانصرف!

اقتربت مريم أم يسوع ونسيبتها مريم زوجة كلوبا و يونا امرأة خوزي، وسوسنة من مريم المجدلية وأقمنها من الأرض واعتنين بها وضمدن جروحها ومنذ ذلك اليوم انضمت مريم المجدلية إلى تلميذات يسوع وكانوا ينفقون عليها من الصندوق فلم تحتج للعودة للدعارة بعد.

.. أنتم حسب الجسد تدينون، أما أنا فلست أدين أحداً

.. وإن كنت أنا أدين فدينونتي حق، لأني لست وحدي بل أنا والآب الذي أرسلني

ظلت كلمات يسوع هذه ترن في ذهن بنيامين وهو هائم على وجهه في شوارع كفر ناحوم لا يدري إلى أين يذهب أو ماذا يفعل..

كانت المفارقة بين شخصية يسوع وكلامه وشخصية كل رجال الدين الذين عرفهم بنيامين في حياته قد وصلت عند هذه النقطة إلى ذروتها.

.. أما أنا فلست أدين أحداً!

... ولا أنا أدينك!

أي رجل "دين" هذا الذي لا يدين؟!

ثم كيف عرف اختي وتاريخها من نظرة واحدة؟ ثم كيف سامحها وأنا الذي أعرف كل هذا التاريخ وعشته، كنت أريد أن أقتلها؟

اعتصر الألم والذنب قلب بنيامين. وكان كلما يستبد به الشعور بالذنب يذهب بعقله إلى التساؤل عن شخصية يسوع.

كيف يعرف من أين أتى وإلى أين يذهب؟

ثم من يدرينا أنه لا يكذب علينا؟

لكن من يعرف كل هذا ينبغي أن يكون صادقاً!

ثم من يستطيع أن يعمل كل هذه العجائب ولا يكون الله معه؟

لعله ساحر؟ لعل الشياطين هي التي تفعل ذلك؟

وهل الشيطان يحب الإنسان فيعيد البصر للعميان ويقيم الموتى؟

من يسوع هذا؟!

السؤال الذي يسأله بنيامين سأله العالم كله عبر القرون وسيظل يسأله إلى يوم الحكم الحقيقي العادل لكن في الحلقات القادمة من مملكة الله سوف نسمع المزيد من الأقوال ونرى المزيد من جوانب هذه الشخصية العجبية.

14 مارس، 2009

مريم المجدلية


21
مالت الشمس للمغيب ولم تزل الجموع ملتفة حول يسوع وهو يعلّمهم ويكلمهم بكلام مملكة الله. كان تلاميذ المسيح يعرفون أنهم إذا تركوا يسوع هكذا فربما يظل لأيام يتكلم عن مملكة دون أن يحتاج أن يأكل أو ينام.
ـ يا معلم، الموضع خلاء والوقت قد مضى. اصرف الجموع لكي يمضوا إلى القرى ويبتاعون لهم طعاماً.
ـ لا حاجة لهم أن يمضوا. أعطوهم أنتم ليأكلوا
ـ ليس لدينا أكل يكفي لكل هؤلاء. أنمضي ونبتاع خبزاً بمئتي دينار ونعطيهم ليأكلوا؟!
ـ كم رغيفاً عندكم؟ اذهبوا وانظروا ما لديكم
ذهب التلاميذ إلى أكياسهم وأتوا بما وجدوه إلى يسوع. خمسة أرغفة وسمكتان باقيتان من آخر صيد صادوه.
ـ ما هذا يا يعقوب؟ هل ستذهب بهذه إلى يسوع، هل أنت ساذج؟ ترى كم فرداً سيُطعِم هذا؟ هذا بالكاد يكفيني أنا. نحن عملياً لا نملك أي شيء نعطيه لهؤلاء
ـ لقد قال يسوع أن نذهب وننظر ما عندنا
ـ عندنا؟ لا يوجد عندنا شيء
ـ بلى عندنا هذه الأرغفة والسمكتين
ـ الأرغفة والسمكتين! يا رجل! هذا جمع لا يقل عن الخمسة آلاف رجل!

جاء يعقوب بالخبزات الخمسة والسمكتين إلى يسوع
ـ ها هي يا معلم
ـ شكراً يا يعقوب. أشكرك لأنك أطعتني. وأشكرك أكثر لأنك رأيت هذا الطعام واحترمت القليل. اجعلوا الجموع يتكئون رفاقاً رفاقاً على العشب الآخضر
ـ يتكئوا؟
ـ نعم
رفع يسوع الطبق المصنوع من جريد النخيل وبه الخبزات الخمسة والسمكتان إلى السماء وبارك الله وبدأ في تقطيع الخبز والسمك إلى قطع صغيرة وأعطى التلاميذ الطبق ليوزعوا على الجموع الذين أكلوا جميعاً وشبعوا.





- هل أنت بنيامين القمراني؟ سمعنا أنك جئت لتوك من وادي قمران قاصداً مهمة معينة في كفر ناحوم.
- نعم يا سيدي
- وما هي هذه المهمة؟
- أمر عائلي.
- اسمع يا بنيامين. نحن نعلم ما جئت لأجله.
- تعلم ماذا ؟ ثم.. كيف تعلم؟
- لا شيء يخفى في كفرناحوم. لكي نوفر وقتنا ووقتك، نحن نريد أن نتعاون معاً . أنت تريد أن تتخلص من اختك مريم وتغسل عارك ونحن نريد أن نتخلص منها ومن كل مثيلاتها لكن الأهم بالنسبة لنا الآن هو أن نتخلص من ذلك المعلم الذي يدعى يسوع الناصري فهو يعلم تعاليم تضر ديننا.
- وكيف يمكننا أن نتعاون؟
- نستطيع أن ندبر القبض على مريم متلبسة بالزنى ونأتي بها ليسوع لنسأله ما الذي ينبغي أن نفعله. إن قال برجمها رجمناها وحصلت أنت على ما تريد وإن لم يفعل يكون متعدياً للناموس والشريعة فتكون لدينا حجة قوية لقتله ونقوم نحن برجمها.
- لكن كيف؟ الشريعة غير مطبقة. المطبق هو القانون المدني الروماني.
- إذا اتفقت الجموع وتظاهرت وإذا ضغط الرأي العام على الحكومة ربما يحدث شيء!
- ثم لماذا تريدون التخلص من يسوع؟ هو معلم جيد وصانع معجزات!
- أنت لا تفهم الناموس يا بني.
- الناموس لا يشجع على الوشاية والتخطيط للإيقاع بالناس
- هل ستعلمني الناموس أيها الشاب! صرخ اسحقى الفريسي حانقاً
- أنا آسف يا سيدي لكن..
- لا يوجد لكن.. إذا لم ترد أن تتعاون معنا فأنت حر!
كان بنيامين يعرف أنه لن يقوى على قتل اخته وأن هذه الاتفاق الذي يعرضه عليه اسحق الفريسي هو فرصة حقيقية أن يرضي كرامته الجريحه ويسترد شرفه وشرف أسرته وفي نفس الوقت يهرب من قتل اخته فعلياً. سوف يكون الأمر مجرد إقامة لحد الشريعة وسوف يفعله آخرون غيره. وإن لم يستطيعوا رجمها ربما على الأقل تقوم الحكومة بسجنها عدة سنوات خلالها ينسى الناس عارها ويستطيع أن يرفع رأسه.
ـ لا بأس. ماذا تريدونني أن أفعل؟
ـ تذهب معنا في الصباح الباكر وتطرق باب مريم وعندما تفتح سوف نهتم نحن بالباقي.




كانت مريم قد عادت من رحلة الساحل الشمالي مع ذلك السياسي الثري وبدأت مجموعة من شباب الفريسيين بقيادة اسحق الفريسي المناوبة على مراقبة بيتها. حيث لم تعد مريم تخرج لتبيع الخضروات في السوق كما كانت تفعل خصوصاً بعد زاد عدد زبائنها من علية القوم. وذات ليلة عرفوا أن زبوناً سوف يبيت معها فرتبوا كل شيء ليحدث في الصباح الباكر.

ـ من الطارق
ـ أنا بنيامين!
ـ بنيامين؟!
ارتبكت مريم من الصدمة والفرح المشوب ببعض الخوف هل سترى بنيامين أخاها الأصغر الذي كان بمثابة ابن لها؟ ترى كيف يكون شكله بعد مرور خمس سنوات كاملة؟
لكن ما الذي أتى به؟ أمر مثير للريبة والخوف. فكرت للحظة ألا تفتح إلا أنها قالت لنفسها، كيف يكون بنيامين ببابي ولا أفتح له؟ ثم... يا ربي! بنيامين هنا!
ـ ها أنا آتية! ها أنا آتية!
فتحت مريم الباب. لمحت بنيامين.. ثم سرعان ما هجم أربعة من الفريسيين عليها ودخل أربعة آخرون بقيادة اسحق بسرعة إلى داخل المنزل ليضبطوا زبونها. وهي عندما وجدوا أن الزبون هو نفس ذلك السياسي الثري ارتبك الجميع.
ـ ما الأمر؟ من أنتم؟ هل تعرفون من أنا؟
تدارك اسحق الموقف بسرعة..
ـ سيدي لا عليك. تفضل أنت ارتد ملابسك وسوف نهتم نحن بالأمر. اطمئن نحن لم نرك هنا!


بعد فاصل من الصفعات والركل والبصق ساقوها أمامهم إلى حيث كان يسوع يعلم الجموع

ـ قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة بقصد أن يشتهيها فقد زنى بها في قلبه. فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقطعها والقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدك كله في جهنم.
وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق وأنا فأقول لكم إن من طلق امرأته ليتزوج بأخرى فأنه يعرضها لأن تمتهن الزنى والدعارة. لكن إذا كانت بالفعل تزنى وتعيش حياة فاسقة وهي معه، فليطلقها.
و إذا تزوج عشيقها منها بعد أن يطلقها زوجها، فما يفعله معها ليس زواجاً وإن كان رسمياً. هو استمرار لزناهما.

ظهرت مجموعة الفريسيين ومعهم مريم. وتخطوا الجموع بعنف دافعين الرجال والنساء إلى الأرض. ثم صاح اسحاق وهو يدفع مريم التي وقعت على الأرض أمام يسوع والجموع الغفيرة.
ـ يا معلم إن كنت هكذا تكره الزنى، قل لنا ماذا نفعل في هذه المرأة التي أمسكناها تزني في ذات الفعل.. وأشار إسحق إلى مريم التي كان الإعياء قد تمكن منها تماماً.

ماذا ترى يفعل يسوع وماذا تراه يقول؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة من "مملكة الله"

09 مارس، 2009

ليس لأحد حب أعظم من هذا



«هَذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ.

لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ.

.... بِهَذَا أُوصِيكُمْ حَتَّى تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً. »



27 فبراير، 2009

لن يرى الله من يكره


20

كان اسحق الفريسي جالساً في شارع السوق في كفر ناحوم مع صديقه سمعان الذي يمتلك متجراً لبيع العطارة والسلع التقليدية مثل الأطياب والأعشاب التي اعتاد الفريسيون بيعها وبالذات للمتدينين الذين يفضلون استخدامها على استخدام الأدوية والعقاقير التي يصنعها الرومان والتي من الممكن أن تحتوي على كحوليات أو على مواد ربما يُشَكُّ في كونها مستخلصة من دهون الخنزير أو أي من الحيوانات المحرمة الأخرى. كان سمعان الفريسي تاجراً نشطاً يعمل لديه فريق من الباعة الجائلين الذين يفترشون بعطارتهم وسلعهم التقليدية الأرصفة حول كل مجامع الجليل كل سبت ليبيعون منتجاتهم للمصلين وخاصة الملتزمين منهم بكل سنن الشريعة والتلمود الصارم.

كان اسحق قد قابل يسوع منذ فترة وتبادل معه الحديث حول الناموس والنعمة، ومنذ ذلك الحين واسحق يفكر ويتشاور مع غيره من الفريسيين كيف ينهون "فتنة" يسوع هذا الذي جاء من الناصرة.

بينما كان اسحق يتجاذب الحديث مع صديقه سمعان جاءت قصة بنيامين واخته مريم، والتي أصبحت تدريجياً من الملاحم الشعبية وأحاديث الأسواق في الجليل. فتح سمعان الحديث:

ـ لقد سمعت أن بنيامين قد جاء إلى كفر ناحوم منذ أيام وهو يبحث عن اخته مريم.

ـ هل هذا صحيح؟

ـ نعم. لقد رأيته بنفسي

ـ ترى لماذا لم يستطع العثور عليها حتى الآن؟

ـ سمعنا أن أحد من رجال الحزب الحاكم قد أخذها معها لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في فيللته في ساحل طبرية الشمالي وسوف تعود صباح الأحد.

ـ لعله ينتظرها بفارغ الصبر

ـ أظنه كذلك

ـ انتظر يا سمعان لقد جائتني فكرة

ـ ما هي؟

ـ ربما يمكننا أن نساعد بنيامين هذا ويساعدنا هو أيضاً

ـ كيف؟

ـ سأقول لك عندما تختمر الفكرة في ذهني، ولكن هل تستطيع أن تقابلني بهذا البنيامين

ـ أعتقد ذلك

منذ قتل يوحنا المعمدان، ومسحة من الحزن كانت تبدو على يسوع بصورة شبه مستديمة وكان في مرات كثيرة يستبد به الحزن والشجن فيقرر أن يأخذ سفينة ويذهب إلى الشطآن النائية لبحيرة طبرية المغطاة بالحشائش البرية حيث لا يسكن إنسان ليناجي الله ويسكب حزنه وشعوره بالوحدة في هذا العالم القاسي البعيد عن الله الذي لا يعرف إلا لغة الجنس والمال والمصالح والتمسح بقشور التدين الفارغ. في تلك المرات كان يصر بعض من تلاميذه أن يذهبوا معه على أن يتركوه يبتعد بعيداً ويخلوا بنفسه كما يريد.

ـ أليس هذا هو يسوع؟

ـ نعم إنه يسوع الناصري

ـ هنا في منطقتنا النائية، هلم نذهب إليه!

ـ سوف أذهب لأدعو أهل القرية كلهم!

هكذا تصايح رجلان استطاعا أن يميزا أن هذا الرجل الذي يجلس على الصخرة البعيدة محملقاً في السماء ليس سوى يسوع الناصري رجل الله، صانع المعجزات.

لم يمض وقت طويل قبل أن يمتلئ هذا الشاطئ المهجور بمئات من أهالي القرى والمدن المجاورة الذين جاءوا مشاة يحملون مرضاهم. جموع من عُمي قضى على بصرهم الرمد الربيعي المنتشر في ربوع الجليل وبُرص مصابون بأمراض جلدية كثيرة بسبب نقص المياه النظيفة وسوء التهوية في منازل الجليل الضيقة التي تسكنها أسر مكونة من أكثر من عشرة أفراد في غرفة واحدة وغيرهم من العُرج والعُسم المصابين بإصابات عمل في مشاريع البناء والتشييد التي يملكها رجال المال والأعمال في الجليل والذين بعد أن أصيبوا تم طردهم من أعمالهم وتحولوا إلى شحاذين يطوفون شوارع الجليل يستعطفون المارة أن يعطونهم ربما كسرة خبز متعفنة يملئون بها بطونهم من يوم ليوم. كل هؤلاء هرعوا جرياً عندما سمعوا أن يسوع هنا، فهو لهم أمل الشفاء والعودة مرة أخرى لتيار الحياة.

عندما أبصر يسوع الجموع قد تقاطروا عليه من كل جانب، وجاءه تلاميذه الذين كانوا على بُعد رمية حجر منه، تنهد تنهيدة داخلية وتحنن قلبه على الجموع ومد يده إليهم فجاءوا إليه وبدأ يلمسهم جميعاً، ومع كل لمسة كانت الصحة تدب في أجسادهم ويعود الرجاء ليسكن مرة أخرى قلوبهم الخاوية الباردة.

ـ لقد اقتربت منكم مملكة الله. ليست هذه الأشفية إلا عربون الملكوت. ليس الهدف النهائي هو أن تشفوا من مرض العين والجلد وإنما من مرض القلب.

ـ وما هو مرض القلب يامعلم؟ أنا أشعر كثيراً بعدم القدرة على التنفس عندما أنام على ظهري بعد يوم من العمل، ألعلي مريض بالقلب؟

ـ ربما يا بني، ولكن ليست هذه هي أمراض القلب التي أتحدث عنها. أمراض القلب التي أقصدها هي أمراض الطمع والشهوة التي لا تشبع. هي أن يرى الإنسان نفسه مركز الحياة ويريد أن يجتذب كل شيء لنفسه، الغنى والقوة والسلطة وكل الملذات وربما "رضى الله" أيضاً من خلال قيامه بالفرائض والشرائع حتى يحصل في النهاية على الجنة حيث يواصل الاستمتاع بنفسه ولنفسه.

ـ وكيف يشفى مرض القلب؟

ـ عندما تختار أن تنزل من على عرش قلبك ويملك الله على حياتك، حينئذ تدخل ممكلة الله

جاءت أصوات عديدة من الجمع قائلة:

ـ كلنا قد مَلَّكنا الله على حياتنا، ولكننا لا نشعر بتلك السعادة والراحة التي تتكلم عنها. نحن نصلي ونصوم وقد تخلينا عن أعمال مع الرومان لكي لا نتنجس بالأمم. لم نأكل طعاماً حرمته التوراة ولم نخالف أي من تعاليم سنة موسى والتلمود والأحاديث. ترى لماذا نفعل كل هذا؟ أليس لأننا قد ملّكنا الله على حياتنا.

ـ الدليل الوحيد على ملك الله على حياة الإنسان هو أن يصير الإنسان مثل الله. إنها عملية ولادة جديدة وكما أن الدليل على نسب الطفل لأبيه هو الشبه الذي بينهما، فالدليل على أنكم ولدتم من الله هو أنكم تصيرون كالله.

ـ استغفر الله، كيف يصير الإنسان كالله، هذا محض كفر وفسق رجيم

ـ بل أنت مدعو لتكون كالله، ألا يقول المزمور " أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ."

ـ لكن يا معلم ألا يقول بعد ذلك: " لَكِنْ مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ وَكَأَحَدِ الرُّؤَسَاءِ تَسْقُطُونَ"

ـ بلى يقول. وهذه هي مأساة الإنسان المخلوق الذي هو في نفس الوقت مخلوق على صورة الله ومدعو لأن يصير شريكاً للطبيعة الإلهية هارباً من الفساد الذي في العالم بالشهوة. عندما لا يحيا هذه الدعوة يسقط ويموت مثل الناس. بينما إذا عاش هذه الدعوة هنا على الأرض سوف يحيا كملائكة الله ومع الله إلى الأبد.

ـ تقصد الحياة في الجنة مع الحور والولدان

ـ بل مع الله .. ليست الحياة في الملكوت الآتي حياة جنس وملذات كما سألني أحد الصدوقيين ذات مرة.

قال بطرس، ماذا سألك الصدوقيون؟ أنا لم أسمع لك حواراً مع أي من الصدوقيين!

ـ جاءني قوم من الصدوقيين الذين يقولون أنه ليست حياة بعد الموت وسألوني: «يَا مُعَلِّمُ كَتَبَ لَنَا مُوسَى: إِنْ مَاتَ لأَحَدٍ أَخٌ وَتَرَكَ امْرَأَةً وَلَمْ يُخَلِّفْ أَوْلاَداً أَنْ يَأْخُذَ أَخُوهُ امْرَأَتَهُ وَيُقِيمَ نَسْلاً لأَخِيهِ. فَكَانَ سَبْعَةُ إِخْوَةٍ. أَخَذَ الأَوَّلُ امْرَأَةً وَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ نَسْلاً. فَأَخَذَهَا الثَّانِي وَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ هُوَ أَيْضاً نَسْلاً. وَهَكَذَا الثَّالِثُ. فَأَخَذَهَا السَّبْعَةُ وَلَمْ يَتْرُكُوا نَسْلاً. وَآخِرَ الْكُلِّ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ أَيْضاً. فَفِي الْقِيَامَةِ مَتَى قَامُوا لِمَنْ مِنْهُمْ تَكُونُ زَوْجَةً؟ لأَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لِلسَّبْعَةِ»

ـ بم أجبته يا يسوع؟

ـ قلت له أن الذين قد عاشوا مملكة الله هنا على الأرض سيعيشونها إلى الأبد مع الله في وجود آخر أسمى من هذا الوجود ومتى قاموا من موت الجسد إلى تلك الحياة الجديدة عندئذ لا يُزَوِّجون ولا يُزَوَّجون بل يكونون في حالة روحية أسمى من حالة الجسد ويحصلون على لذات روحية من الشركة الحميمة مع الله تفوق ولا يمكن مقارنتها بملذات الجسد من أكل وشرب وزواج.

ـ وكيف نعيش مملكة الله هنا على الأرض لكي نكملها في السماء؟

ـ أنتم مباركون إذا فقدتم كل شيء، ولم يعد لديكم سوى الله

.. أنتم مباركون إذا شعرتم بالجوع لله فلم يقنعكم لا مال ولا بنون ولا حتى دين بل تتوقون إلى ما هو ليس موجود بعد في هذا العالم.

...أنتم مباركون إن استطعتم أن تبكوا خطاياكم وضعفكم وخطايا الآخرين وضعفهم أيضاً.

....أنتم مباركون إن رقّت قلوبكم للألم الذي يصيب كل الناس، من هم على دينكم ومن هم ليسوا على دينكم.

...أنتم مباركون إن أحببتم الذين لا يحبونكم واقتربتم من الذين لا يريدون أن يقتربوا منكم ظناً منهم أنكم نجسون وكفرة.

... اعتبروا أنفسكم مباركين عندما يضطهدكم الناس ويوصموكم ويعزلونكم ويلقونكم خارج المجامع وخارج القلوب. عندئذ تفرح بكم السماء ويقبلكم الله في مملكته.

... اعتبروا أنفسكم مباركين عندما يلوث الناس أسماءكم بسبب إيمانكم بي وبمملكة الله التي أدعو إليها حاسبين إياكم كفاراً وفاسقين. عندئذ سيكون لكم أجر عظيم في مملكة الله. لأن الاضطهاد كان دائماً نصيب الصادقين من الأنبياء.

... ولكن توقعوا الشر إذا ظننتم أنكم خير الناس أو أنكم قد حصلتم على البر باعمالكم.

.. إذا سعيتم لطلب رضا الناس، فهذا كل ما ستحصلون عليه.. إلى الأبد.

... توقعوا الشر إذا أصبحتم راضين عن أنفسكم وتظنون أنكم لا تحتاجون لشيء. لن تستطيع نفس أي إنسان أن تُرضي جوعه للمطلق. جوعه لله

... لن يشبعكم إلا الله فأنتم مخلوقون منه وبه وله.

ـ ثم أنت تقول أننا مدعوون للتشبه بالله، كيف يمكن للمخلوق أن يشبه الخالق؟

ـ هذا ما قرره الله. قرر أن يعطيكم شبهه فتصيرون مثله. مع الفارق بين الخالق والمخلوق

ـ وكيف لي أنا المخلوق أن أشبه الخالق؟

ـ عندما تحب عدوك. الله محبة وقد اختار أن يحب حتى أعداءه، ويشرق شمسه كل صباح حتى على من يكرهونه.... عندما تصبح هكذا وتنمو في الحب فأنت تنمو في التشبه بالله وعندئذ ثق أنك سوف تكون معه إلى الأبد فلن يرى الله من يكره!

....لن يرى الله من يكره!

في الحلقات القادمة سوف نرى كيف عاش يسوع هذه المحبة أمام الجميع حتى أعطى حياته في سبيل من يحبونه ومن لا يحبونه